أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
177
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
في مفرد أسماء الأجناس ك « تمرة وبرّة ونبقة » للمبالغة كهي في : راوية ونسابة وفروقة . وقوله : كَأَنَّما « ما » هذه مهيئة لدخول « كأنّ » على الجمل الفعلية ، كهي في : إِنَّما تُوَفَّوْنَ « 1 » . وقرأ ابن كثير « يصعد » ساكن الصاد مخفف العين ، مضارع « صعد » ، أي : ارتفع ، وأبو بكر عن عاصم « يصّاعد بتشديد الصاد بعدها ألف ، وأصلها : « يتصاعد » أي : يتعاطى الصعود ويتكلفه ، فأدغم التاء في الصاد تخفيفا ، والباقون : « يَصَّعَّدُ » بتشديد الصاد والعين دون ألف بينهما من « يصعد » ، أي : تفعل الصعود وتكلفه ، والأصل : « يتصعّد » فأدغم ، كما في قراءة شعبة . وهذه الجملة التشبيهية يحتمل أن تكون مستأنفة شبه فيها حال من جعل اللّه صدره ضيّقا حرجا ، بأنه بمنزلة من يطلب الصعود إلى السماء المظلة ، أو إلى مكان مرتفع وعر ، كالعقبة الكئود . وجوّزوا فيها وجهين آخرين : أحدهما : أن يكون مفعولا آخر تعدد ، كما تعدد ما قبلها . والثاني : أن يكون حالا ، وفي صاحبها احتمالان : أحدهما : هو الضمير المستكن في « ضَيِّقاً » . والثاني : هو الضمير في « حَرَجاً » . و « فِي السَّماءِ » متعلّق بما قبله . قوله : « كَذلِكَ يَجْعَلُ » هو كنظائره . وقدّره الزجاج : مثل ما قصصنا عليك يجعل » . أي : فيكون مبتدأ وخبرا ، أو نعت مصدر محذوف ، فلك أن ترفع « مثل » ، وأن تنصبها بالاعتبارين عنده . والأحسن أن يقدر لها مصدر مناسب ، كما قدّره الناس ، وهو : مثل ذلك الجعل - أي : جعل الصدر ضيّقا حرجا - يجعل اللّه الرجس . كذا قدره مكي وغيره . و « يَجْعَلْ » يحتمل أن يكون بمعنى « ألقى » وهو الظاهر ، فتتعدى لواحد بنفسها ، وللآخر بحرف جر ، ولذلك تعدت هنا ب « عَلَى » ، والمعنى : يصيّره مستعليا عليهم محيطا بهم ، والتقدير الصناعي : مستقرا عليهم . وقوله : مُسْتَقِيماً . حال من « صِراطُ » ، والعامل فيه أحد شيئين ، إمّا « ها » لما فيها من معنى التنبيه ، وإمّا « ذا » لما فيه من معنى الإشارة ، وهي حال مؤكدة ، لا مبنية ، لأن صراط اللّه لا يكون إلّا كذلك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 127 إلى 128 ] لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 127 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 128 ) قوله : لَهُمْ دارُ . يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة ، فلا محل لها ، كأن سائلا سأل عما أعد اللّه لهم ، فقيل له : ذلك ، ويحتمل أن تكون حالا من فاعل « يَذَّكَّرُونَ » ، ويحتمل أن تكون وصفا « لِقَوْمٍ » ، وعلى هذين الوجهين فيجوز أن يكون الحال أو الوصف الجار والمجرور فقط ، ويرتفع « دارُ السَّلامِ » بالفاعلية ، وهذا عندهم أولى ، لأنه أقرب إلى
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 185 ) .